محمد ابراهيم شادي

14

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

لقد قسم الرماني البلاغة إلى طبقات ، ثم يرى أن الطبقة العليا منها لا توجد إلا في القرآن وهي الطبقة المعجزة ، أما ما دونها أي الطبقة المتوسطة والدنيا فتوجد في كلام الناس ، لكن الخطابي يرى أن طبقات الكلام الثلاث تجتمع في القرآن الكريم في امتزاج عجيب أدى إلى نمط فريد من الكلام يجمع بين الفخامة والعذوبة ، مع أنهما على الانفراد كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة ، والفخامة والجزالة تعالجان نوعا من الوعورة فكان اجتماع الأمرين ممتزجين في نظم القرآن فضيلة خص بها القرآن ليكون آية معجزة لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم . فالرمانى يرى القرآن الكريم من الطبقة العليا حسب ، والخطابي يرى أن القرآن قد جمع بين طبقات الكلام في امتزاج فريد ، ولكل منهما وجهته التي تصحح رأيه ، فالرمانى لما نظر لبلاغة القرآن من جهة أقسامها العشرة التي ذكرها وجد القرآن في أعلى طبقة من البلاغة ، لكن الخطابي نظر نظرة تحليلية إلى عناصر النظم فوجد تداخل وامتزاج ما يدل على الفخامة مع ما يدل على السهولة والعذوبة ، واتجاه الرماني يعنى أن إعجاز القرآن كان لأسباب عدة على رأسها تلك الخصوصيات البلاغية التي تدخل في باب التفرد ، لكن الخطابي يرى أن طبقات الكلام الثلاث ربما وجدت في كلام الناس متفرقة لا مجتمعة ، لكنها وجدت في القرآن على اجتماع وامتزاج في الموطن الواحد وهذا مما يسره اللّه سبحانه بلطيف قدرته ليكون في الآية الواحدة ما يناسب كل الناس . ولا شك أن نظرة الخطابي كانت أعمق في هذه الناحية وهي مبنيّة على التحليل والتفكيك والتعمق في عناصر التركيب القرآني ، وكان هذا هو منهجه في رؤيته للإعجاز من جهة ثانية يبلورها قوله : " إنما صار القرآن معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني " « 1 » فيرى أن هذه الفضائل الثلاث قد توجد في كلام الناس على التفرق ، لكنها لا توجد في القرآن إلا على اجتماع واطراد .

--> ( 1 ) بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل 27 .